إيطاليا، تدخل كأس العالم 2026 من موقع الغياب مرة أخرى، لتتحول قصتها إلى عنوان كبير في ذاكرة الكرة الحديثة، بين أمجاد تاريخية لا تُنسى، وحاضر مرتبك يضع المنتخب الأزرق خارج المشهد للمرة الثالثة على التوالي، في وقت تتسع فيه الهوة بين إرث الماضي ومتطلبات الحاضر.
إيطاليا بين الحضور التاريخي والغياب المتكرر
لم يكن غياب المنتخب الإيطالي عن كأس العالم مجرد نتيجة عابرة، بل أصبح حالة كروية لافتة تثير الانتباه في كل نسخة جديدة، فإيطاليا صاحبة التاريخ العريق والألقاب الكبرى وجدت نفسها خارج البطولة في 2018 و2022 و2026، وهي مفارقة ثقيلة على منتخب صنع جزءاً كبيراً من ذاكرة المونديال، وترك بصمة واضحة منذ بدايات المسابقة وحتى تتويجه الرابع في 2006.
هذا الغياب المتتابع لا يخص الحاضر فقط، بل يمتد أثره إلى الصورة الذهنية للآزوري لدى الجمهور، خصوصاً أن المنتخب كان لعقود طويلة أحد أعمدة كرة القدم العالمية، سواء عبر أسلوبه الدفاعي الصارم أو عبر نجومه الذين صنعوا لحظات لا تزال حاضرة في الوجدان الرياضي.
كيف ارتبط جيل التسعينيات بإيطاليا؟
تشكلت علاقة عاطفية قوية بين إيطاليا وجيل الثمانينيات والتسعينيات، وكان لمونديال 1994 في الولايات المتحدة أثر خاص في ترسيخ هذا الارتباط، لأن النهائي الذي جمع البرازيل وإيطاليا انتهى بلقطة مؤلمة لا تُنسى، عندما أضاع روبرتو باجيو ركلة الترجيح الحاسمة، لتذهب الكأس إلى البرازيل.
من تلك اللحظة، لم يعد تشجيع إيطاليا مجرد متابعة لمباراة أو بطولة، بل أصبح لدى كثيرين ارتباطاً بمشهد درامي جمع بين الحسرة والإعجاب، وبين القوة الدفاعية والأناقة التكتيكية، كما أن الدوري الإيطالي، أو الكالشيو، عزز هذه العلاقة في تلك الفترة بوصفه أحد أقوى الدوريات في العالم.
ما الذي جعل الأجيال الجديدة تبتعد عن الآتزوري؟
تبدو الفجوة بين الأجيال واضحة عند الحديث عن المنتخب الإيطالي، فالشباب الذين نشأوا في السنوات الأخيرة يتعاملون مع إيطاليا كاسم تاريخي أكثر من كونها منتخباً حاضراً بقوة في كأس العالم، بينما يتذكر الجيل القديم صوراً مختلفة تماماً عن المدرسة الإيطالية.
وقد ساهم غياب إيطاليا عن النسخ الكبرى، إلى جانب ضعف الارتباط بين النجوم الجدد والجمهور العالمي، في جعل المنتخب أقل حضوراً لدى المتابعين الأصغر سناً، خاصة وأنهم يرتبطون أكثر بأسماء مثل ميسي ورونالدو ومبابي ونيمار، وبإيقاع اللعب السريع واللقطات المباشرة.
إرث الألقاب والنجوم الذين صنعوا المجد
لا يمكن الحديث عن إيطاليا دون التوقف عند سجلها في كأس العالم، فهي صاحبة أربعة ألقاب في أعوام 1934 و1938 و1982 و2006، وهي بذلك من أكثر المنتخبات تتويجاً في تاريخ البطولة، بالتساوي مع ألمانيا، وخلف البرازيل.
كما ارتبط اسم الآتزوري بمباريات تاريخية شكلت علامات فارقة في اللعبة، من بينها مباراة القرن أمام ألمانيا الغربية في نصف نهائي 1970، والانتصار الشهير على البرازيل في 1982، ثم ليلة برلين 2006 التي انتهت بطرد زيدان وتتويج إيطاليا باللقب الرابع.
أسماء رسخت هوية المنتخب الإيطالي
حملت المسيرة الإيطالية عبر العقود أسماء صنعت الفارق في كل الخطوط، فالحراسة عرفت دينو زوف وجانلويجي بوفون، والدفاع تألق فيه فرانكو باريزي وباولو مالديني وفابيو كانافارو، بينما خط الهجوم أهدى الجماهير لحظات استثنائية عبر روبرتو باجيو وفرانشيسكو توتي وكريستيان فييري وأليساندرو ديل بييرو.
- دينو زوف: حارس أسطوري توج بالكأس وهو في الأربعين من عمره، وأصبح رمزاً للثبات والخبرة.
- جانلويجي بوفون: الاسم الأبرز في حراسة المرمى الإيطالية خلال عقدين من الزمن.
- فابيو كانافارو: المدافع الوحيد الذي نال الكرة الذهبية في العصر الحديث.
- مارتشيلو ليبي: مهندس النجمة الرابعة وصاحب بصمة 2006.
لماذا أصبح التأهل إلى 2030 مهمة ثقيلة؟
إذا نجحت إيطاليا في العودة إلى كأس العالم 2030، فإنها ستدخل البطولة وهي تحمل عبء غياب طويل امتد 16 عاماً، إذ ستكون المشاركة المفترضة القادمة بعد آخر ظهور رسمي في 2014، مع فقدان أربع نسخ متتالية إذا احتسبت 2018 و2022 و2026 و2030 ضمن هذا المسار المتقطع.
هذا الانقطاع لا يعني فقط الابتعاد عن المنافسة، بل يعني أيضاً تآكل الخبرة المونديالية داخل المنتخب، لأن كأس العالم لا تُختزن خبرتها في الكتب أو الشاشات، بل تتكون عبر المشاركة الفعلية، والاحتكاك المباشر، وضغط المباريات الكبرى، وهو ما افتقدته أجيال إيطالية كاملة في السنوات الأخيرة.
كيف تحول بطل أوروبا إلى ضحية الملحق؟
مرّت إيطاليا بتحولات فنية وهيكلية أثرت في قدرتها على الوصول إلى كأس العالم، فبعد التتويج ببطولة يورو 2020، بدا أن المنتخب استعاد جزءاً من هيبته، لكن الواقع سرعان ما أظهر تراجعاً في الاستمرارية، مع صعوبات واضحة في تجديد الدماء، واعتماد متزايد على عناصر أجنبية داخل الأندية الكبرى، ما أضعف فرص بروز المواهب المحلية.
كما واجه الفريق مشكلات تتعلق بسرعة اللعب والإبداع في الوسط، إلى جانب النقص في المهاجم الصريح القادر على إنهاء الهجمات، وهي عناصر أثرت في النتائج النهائية، حتى جاءت صدمة الملحق الأوروبي في مارس الماضي أمام البوسنة والهرسك بركلات الترجيح، لتكتمل صورة الإخفاق.
تصريحات عكست حجم الأزمة
جاءت ردود الفعل الرسمية حادة، إذ وصف رئيس الاتحاد الإيطالي لكرة القدم ما حدث بأنه طعنة في قلب الكرة الإيطالية، مؤكداً أن النظام الحالي يحتاج إلى ثورة شاملة لا مجرد تعديل محدود، بينما أقر لوتشانو سباليتي بأن الغياب عن كأس العالم لثلاث مرات متتالية يمثل فشلاً لا يمكن تجميله، وأن المرحلة المقبلة تتطلب بناء جيل جديد من الصفر.
التأهل السياسي?
في خضم هذه الأزمة، ظهرت رواية غريبة أثارت الاهتمام، بعدما ترددت تقارير عن رفض إيطاليا عرضاً غير رسمي تقدم به مبعوث للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يقضي بمنح الآتزوري مقعد منتخب إيران في كأس العالم، وهي فكرة لم تجد قبولاً لدى الاتحاد الإيطالي، الذي تمسك بمبدأ التأهل عبر الملعب فقط، لا عبر أي ترتيبات سياسية جانبية.
وبين تاريخ لا يبهت، وواقع لا يرحم، تبقى إيطاليا اسماً كبيراً ينتظر العودة إلى مكانه الطبيعي في كأس العالم، حيث تتجدد ذاكرة الجماهير مع كل نسخة، وتظل قصة الآتزوري واحدة من أكثر القصص تأثيراً في كرة القدم، كما يتابعها القراء عبر الدقهلية نيوز بوصفها ملفاً مفتوحاً بين المجد والانتظار.
