علماء يعيدون رسم خريطة درب التبانة ويكشفون أنها أكبر مما كان يُعتقد

علماء-يعيدون-رسم-خريطة-درب-التبانة-ويكشفون-أنها-أكبر-مما
محرر الخبر غرام نصر الله
حجم الخط

درب التبانة، باتت خريطة مجرتنا اليوم أقرب إلى الدقة من أي وقت مضى، بعد أن استخدم فريق دولي أسلوبا هندسيا جديدا مكّن العلماء من قياس مسافات بعض أذرعها الحلزونية بصورة أكثر موثوقية، وكشف أن أجزاء بعيدة منها تقع على امتداد أكبر مما كانت تشير إليه الخرائط التقليدية.

طريقة مختلفة لقياس أبعاد المجرة

ظل رسم صورة دقيقة لمجرة درب التبانة مهمة صعبة، لأن موقع الأرض داخل قرص المجرة يجعل النظر إليها من الخارج مستحيلا، لذلك اعتمد الفلكيون لعقود طويلة على نماذج الدوران وحركة الغاز لتقدير مواقع الأذرع، غير أن هذه الأساليب كانت أقل حسمًا في الأطراف البعيدة، حيث تتداخل الحسابات مع تأثير المادة المظلمة وتزداد هوامش الخطأ.

الدراسة الجديدة، التي نُشرت في مجلة Astronomy & Astrophysics، قدمت بديلا يعتمد على الهندسة المباشرة، وهو ما منح الباحثين فرصة لرؤية بعض أجزاء المجرة من زاوية قياس أكثر صلابة، بعيدا عن الافتراضات النظرية المعتادة.

كيف تحولت أصداء الضوء إلى أداة للرصد؟

استند العلماء إلى ظاهرة فلكية نادرة تتعلق بانفجارات أشعة غاما، وهي من أعنف الأحداث المعروفة في الكون، إذ تطلق في ثوان قليلة طاقة تفوق ما تبذله الشمس طوال عمرها، وعندما تمر الأشعة السينية الناتجة عن هذه الانفجارات عبر مجرتنا، تصطدم بحبيبات الغبار المنتشرة في الأذرع الحلزونية، فتتبعثر وتصل إلى التلسكوبات الفضائية على هيئة حلقات ضوئية متسعة.

هذه الحلقات لا تظهر دفعة واحدة، بل تتوسع تدريجيا مع مرور الوقت، ومن خلال تتبع سرعة هذا التمدد تمكن العلماء من حساب المسافات بدقة، اعتمادا على علاقة هندسية مباشرة لا تحتاج إلى قياس سرعة دوران المجرة ولا إلى تقديرات غير مؤكدة.

وقالت الدكتورة بياتريتشه فايا، إحدى المشاركات في الدراسة، إن هذه الطريقة مباشرة للغاية، لأنها تعتمد على الهندسة وحدها لقياس المسافات إلى الأذرع الحلزونية في درب التبانة بدقة كبيرة.

انفجار 2022 الذي غيّر طريقة القياس

اعتمد الفريق على بيانات جمعها مرصد إكس إم إم نيوتن التابع لوكالة الفضاء الأوروبية، إلى جانب مرصد تشاندرا للأشعة السينية التابع لوكالة الفضاء الأميركية ناسا، مع التركيز على انفجار أشعة غاما شديد السطوع رُصد عام 2022، وقد وفر هذا الحدث النادر فرصة استثنائية لرصد عدة حلقات متوسعة من الأشعة السينية.

ومن خلال هذه الحلقات استطاع الباحثون فحص سحب غبار تقع على مسافات تصل إلى عشرات الآلاف من السنين الضوئية من الأرض، ثم تحويل انفجار لم يستغرق سوى ثوان معدودة إلى أداة قياس دقيقة تكشف تفاصيل البنية الداخلية للمجرة.

وتبرز أهمية هذا الأسلوب في أنه مستقل عن نماذج الدوران التقليدية، لذلك يظل أكثر ثباتا عند دراسة المناطق الخارجية التي يصعب الوصول إليها بالوسائل المعتادة.

ما الذي أظهرته القياسات الجديدة؟

أوضحت النتائج أن ذراع الترس–قنطورس الخارجي يقع على بعد يقارب 62 ألف سنة ضوئية من الأرض، مع هامش خطأ لا يتجاوز نحو 1%، وهي دقة لافتة لهذه المنطقة البعيدة من المجرة، كما دعمت الدراسة المسافة المعروفة لذراع برشاوس، ما عزز الثقة في المنهج الجديد.

لكن المفاجأة الأبرز كانت أن اثنين من أبعد أذرع درب التبانة يبدوان أبعد بنحو 10% تقريبا مما كانت تشير إليه الخرائط المبنية على النماذج القديمة، وهو ما يعني أن الحجم الحقيقي للأجزاء الخارجية للمجرة ربما كان أقل تقديرا طوال سنوات طويلة.

  • دقة أعلى في الأطراف البعيدة: القياسات الجديدة تقلل الاعتماد على التقديرات غير المباشرة.
  • استقلال عن نماذج الدوران: المنهج لا يحتاج إلى افتراضات حول سرعة دوران المجرة.
  • إعادة تقييم للخرائط القديمة: بعض الأذرع تظهر أبعد مما كان يعتقد سابقا.
  • فائدة لفهم المادة المظلمة: النتائج قد تساعد في مراجعة النماذج المرتبطة بتوزيع الكتلة في المجرة.

هل تبدأ خريطة ثلاثية الأبعاد أكثر دقة لدرب التبانة؟

تشير هذه النتائج إلى بداية مرحلة جديدة في دراسة مجرتنا، إذ لم يعد رسم الخريطة يعتمد فقط على الحسابات النظرية، بل أصبح من الممكن استخدام أصداء انفجارات أشعة غاما كوسيلة مباشرة لرصد مواقع أجزاء واسعة من درب التبانة، ومع توفر مراصد أكثر حساسية في المستقبل قد تتوسع هذه الطريقة لتشمل اتجاهات جديدة ومناطق لم تكن قابلة للقياس بهذه الدقة من قبل.

  1. رصد مزيد من أصداء الانفجارات: المراصد المقبلة قد تلتقط حلقات ضوئية أكثر في اتجاهات مختلفة.
  2. تحسين القياسات المباشرة: يمكن تحديد مواقع أجزاء أكبر من المجرة دون الرجوع إلى التخمينات النظرية.
  3. إعادة بناء البنية الداخلية: ستتضح صورة الأذرع الحلزونية وقرص المجرة بشكل أدق.

ما أهمية هذه النتائج لفهم مجرتنا؟

لا تقتصر قيمة الدراسة على تعديل مواقع بعض الأذرع الحلزونية، بل تمتد إلى مساعدة العلماء على فهم طريقة تشكل النجوم، وتوزيع المادة المظلمة، وبنية قرص المجرة، وكذلك تاريخ تطور البيئة الكونية المحيطة بنا عبر مليارات السنين، ومع كل خطوة في هذا الاتجاه تصبح صورة درب التبانة أكثر اكتمالا وأقرب إلى واقعها الحقيقي.

وهكذا يؤكد هذا الإنجاز أن العلم يتقدم حين يجد طرقا أبسط وأكثر مباشرة لقياس ما يبدو بعيدا أو معقدا، وفي هذه القصة العلمية الجديدة يظهر أن إعادة قراءة السماء قد تغيّر تصورنا لمكاننا فيها، وهو ما يحرص الدقهلية نيوز على متابعته وتقديمه للقارئ بوضوح واحتراف.

تاريخ آخر تحديث للخبر
تابع الآن أهم الأخبار عبر Google News
متابعة
غرام نصر الله

غرام نصر الله محرر الخبر

كاتبة صحفية على موقع الدقهلية نيوز dakahliya.com الإخباري، حاصلة على بكالوريوس اعلام جامعة القاهرة، أكتب منذ ما يقرب من 14 عاماً، أتحرى الدقة قبل نشر الخبر، أكتب عن الخدمات الخليجية، وأخبار التقنية وترددات القنوات التليفزيونية.