دينيز أونداف، واصل كتابة واحدة من أكثر القصص لفتا للانتباه في كأس العالم 2026، بعدما انتقل من دور المهاجم البديل إلى اسم حاسم في تشكيلة ألمانيا، مستفيداً من فرصتين فقط ليصنع فارقاً كبيراً، ويستعيد في الوقت نفسه جزءاً من مسار طويل بدأه من ظروف صعبة ومسؤوليات مبكرة.
أونداف يحسم مباراتين ويقود ألمانيا إلى الدور التالي
احتاج أونداف إلى دقائق معدودة فقط ليترك بصمته في النسخة الحالية من نهائيات كأس العالم، ففي مواجهة ألمانيا أمام كوت ديفوار ضمن الجولة الثانية من المجموعة الخامسة، دخل عند الدقيقة 60 والمنتخب الألماني متأخر بهدف، ثم قلب النتيجة سريعاً بهدفين، الأول بعد 8 دقائق من مشاركته، والثاني في الدقيقة الرابعة من الوقت بدل الضائع، ليقود بلاده إلى انتصار حاسم منحها بطاقة العبور إلى دور الـ32 من صدارة المجموعة قبل الجولة الأخيرة.
ولم تكن هذه البداية استثناءً، إذ ظهر اللاعب ذاته مؤثراً في المباراة الأولى أمام كوراساو، التي انتهت بفوز ألمانيا 7-1، حيث سجل هدفاً وصنع هدفين، ليصل إجمالي مساهماته في مباراتين إلى 5 أهداف، وهو رقم أكد حضوره المؤثر منذ اللحظة الأولى.
أونداف يعادل رقم روجيه ميلا
أرقام أونداف في المونديال دفعت المقارنة به إلى مستويات تاريخية، إذ عادل إنجاز الكاميروني روجيه ميلا، الذي حققه في كأس العالم 1990، بوصفه أكثر بديل تأثيراً في كأس العالم منذ عام 1966، وفق ما نقلته هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” (BBC).
هذا التأثير لم يأت من فراغ، فقصته مع كرة القدم احتاجت سنوات طويلة من المثابرة والصبر، قبل أن يتحول من لاعب في درجات أقل داخل ألمانيا إلى اسم يضع بصمته مع المنتخب الأول في أكبر بطولة عالمية.
كيف تحول أونداف من لاعب مرفوض إلى هداف حاسم؟
مر أونداف بمحطات صعبة قبل الوصول إلى هذا المشهد، إذ ذكرت مجلة “دير شبيغل” (Der Spiegel) أنه كان لا يزال لاعباً في دوري الدرجة الثالثة بألمانيا قبل سنوات قليلة، وهي مرحلة بدت متأخرة مقارنة بما يُنتظر عادة من اللاعبين الذين يطرقون باب الاحتراف الكبير.
ورسمت المجلة صورة واضحة عن أسلوبه داخل الملعب، معتبرة أنه لا يملك السرعة الخارقة ولا البنية البدنية المثالية، لكنه يمتلك حساً تهديفياً لافتاً يجعله خطيراً داخل منطقة الجزاء، وهي الميزة التي برزت بشكل واضح في مباريات المونديال.
ماذا قال مدربوه عن شخصيته في سن المراهقة؟
استعاد يورغن دامش، مدربه السابق في فريق “إس سي فيه” بدوري الدرجة الإقليمية تحت 19 عاماً، ذكريات مبكرة عن اللاعب، مؤكداً أنه كان يتأخر أحياناً عن التدريبات لأنه كان يتناول شطيرة، كما لم يكن يلتزم دائماً بتمارين الجري المطلوبة، وهو ما جعله يراه لاعباً مشاغباً قبل أن ينضج لاحقاً.
وقال دامش إنه لم يكن يتوقع له مساراً كبيراً في ذلك العمر، بسبب محدودية قدراته البدنية، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن أونداف كان يملك شيئاً مختلفاً، يتمثل في جرأته وقدرته على اتخاذ قرارات غير متوقعة، مثل التسديد من مسافات بعيدة عندما يلاحظ تقدم الحارس.
أما أونداف نفسه، فقد علّق على تلك المرحلة بروح ساخرة، قائلاً إنه لا يزال يشعر بأنه يعاني العيوب ذاتها التي كانت لديه قبل 15 عاماً، لكنه ما زال يعرف طريقه إلى المرمى.
العمل في مصنع وشوط طويل قبل الوصول إلى الحلم
قبل سنوات الاحتراف المضيئة، واجه أونداف تجربة قاسية، إذ رفض فيردر بريمن ضمه وهو في سن 14 عاماً لعدم اقتناعه بامتلاكه الموهبة اللازمة لكرة القدم الاحترافية، ثم اضطر بعد ثلاث سنوات إلى العمل في مصنع بدوام كامل ونوبات شاقة لمدة 8 ساعات، إلى جانب التدريب مع فريق هافلس من الدرجة الرابعة، الذي كان يدفع له نحو 135 يورو أسبوعياً، أي ما يقارب 146 دولاراً.
روى اللاعب لاحقاً تفاصيل تلك المرحلة قائلاً إن قلبه انكسر عندما قيل له في بريمن إنه لا مكان له هناك، لكنه لم يفقد الأمل، وغادر منزل العائلة في سن 17 للعب مع هافلس، حيث كان يجمع بين الوظيفة والتدريب والالتزام اليومي الصارم للبقاء على قيد الحياة.
تفاصيل يومه في تلك المرحلة
1. كان يستيقظ في الرابعة صباحاً للذهاب إلى المصنع، ثم ينتقل إلى التدريب بعد انتهاء العمل، قبل العودة إلى المنزل عند الثامنة مساء تقريباً.
2. كان يعمل في تشغيل آلة ليزر لقطع المعادن، وهي مهمة يومية شاقة استمرت مع التزامه الكروي.
3. لم يكن دخله من كرة القدم يكفي لتغطية احتياجاته، لذلك ظل العمل ضرورة أساسية في حياته اليومية.
كيف فتحت له التجارب الأوروبية الطريق إلى المنتخب الألماني؟
بدأ التحول الحقيقي في مسيرة أونداف عندما انتقل إلى يونيون سانت غيلواز البلجيكي عام 2020، وهناك قاد الفريق إلى الصعود للدوري الممتاز بعد تسجيل 25 هدفاً، وهو ما لفت الأنظار إليه وفتح أمامه باب الانتقال إلى برايتون.
وبعد موسم واحد في الدوري الإنجليزي، تمت إعارته إلى شتوتغارت، ثم ضمه النادي نهائياً في عام 2024، قبل أن يواصل تألقه في موسم 2025-2026، حين سجل 19 هدفاً في الدوري الألماني ليحتل المركز الثاني في سباق الهدافين خلف الإنجليزي هاري كين مهاجم بايرن ميونخ، ويضمن بذلك مكانه في قائمة ألمانيا المونديالية.
متى بدأ أونداف مشواره الدولي مع ألمانيا؟
خاض أونداف أول مباراة له مع المنتخب الألماني يوم 23 مارس/آذار 2024، حين دفع به المدرب جوليان ناغلسمان لمدة 10 دقائق فقط في مواجهة ودية أمام فرنسا، ثم تحولت مشاركاته تدريجياً إلى حضور أكثر تأثيراً مع المنتخب.
ومنذ تلك البداية، ظهر أونداف في 11 مباراة دولية مع ألمانيا، سجل خلالها 9 أهداف وصنع 4 تمريرات حاسمة، وفق بيانات موقع “ترانسفير ماركت” (transfermarkt)، وهي أرقام تعكس سرعة اندماجه مع المجموعة وفعاليته أمام المرمى.
هل قد يبدأ أونداف أساسياً في المباراة الثالثة؟
بعد تألقه اللافت في أول مباراتين بكأس العالم 2026، طُرح سؤال واضح على ناغلسمان بشأن إمكانية الدفع بأونداف أساسياً في المباراة الثالثة من دور المجموعات، والمقررة الخميس المقبل، فأجاب المدرب بأن ذلك ممكن، خصوصاً أنه شارك مرتين وسجل في كل مباراة.
وبين قصة البدايات الصعبة والحضور الحاسم في المونديال، تبدو تجربة أونداف مثالاً على لاعب احتاج وقتاً طويلاً قبل أن يصل إلى هذا المشهد، وهو ما جعل قصته تحظى بمتابعة واسعة، كما أن الدقهلية نيوز تواصل تقديم هذا النوع من القصص الرياضية التي تجمع بين الأرقام والتحولات الإنسانية في مسار واحد.
