تطور الذكاء الاصطناعي من تورنغ إلى تشات جي بي تي

تطور الذكاء الاصطناعي من تورنغ إلى تشات جي بي تي
محرر الخبر
حجم الخط

الذكاء الاصطناعي، قطع رحلة طويلة بدأت بأسئلة فلسفية وتجارب محدودة، ثم تحولت إلى واحد من أكثر مجالات التكنولوجيا تأثيراً في العالم، ومع كل مرحلة جديدة ازداد حضوره في العمل والدراسة والبحث والحياة اليومية، حتى صار جزءاً من النقاش العالمي حول المستقبل.

من سؤال تورنغ إلى ميلاد المجال

بدأت الحكاية الحديثة للذكاء الاصطناعي مع آلان تورنغ عام 1950، عندما نشر بحثه الشهير “آلات الحوسبة والذكاء” في مجلة “مايند”، ولم يكتفِ بالجدل النظري حول معنى التفكير، بل قدم فكرة عملية عُرفت لاحقاً باسم “لعبة المحاكاة”، التي أصبحت أساس اختبار تورنغ المعروف.

أهمية هذا الطرح أنه نقل النقاش من الفلسفة المجردة إلى قياس قابل للملاحظة، فصار السؤال يدور حول قدرة الآلة على تقليد السلوك الذكي في حوار نصي، وهو ما جعل اختبار تورنغ واحداً من أكثر المفاهيم حضوراً في تاريخ هذا المجال.

1956 وبداية الذكاء الاصطناعي كحقل بحثي

في عام 1956، أخذ الذكاء الاصطناعي شكله الرسمي بوصفه مجالاً مستقلاً، حين اجتمع عدد من الباحثين في كلية دارتموث ضمن “مشروع دارتموث البحثي الصيفي حول الذكاء الاصطناعي”، وكان من أبرز المشاركين جون مكارثي، ومارفن مينسكي، وكلود شانون، وألين نيويل، وهربرت سايمون.

كان الاعتقاد السائد وقتها أن جوانب كثيرة من الذكاء يمكن وصفها بطريقة كافية تسمح للحاسوب بمحاكاتها، لذلك انطلقت الأبحاث الأولى على أساس طموح كبير، وثقة بأن الآلة يمكن أن تتعلم أدواراً كانت تبدو في السابق حكراً على الإنسان.

كيف عملت الأنظمة الأولى؟

في العقود الأولى، اعتمد الذكاء الاصطناعي على الرموز والقواعد والمنطق أكثر من اعتماده على التعلم من البيانات، وكان الهدف هو تزويد الحاسوب بالمعرفة ثم مطالبته باستخدامها في حل المشكلات، مع وجود تجارب مبكرة في الشبكات العصبية إلى جانب هذا الاتجاه.

وقد نجحت بعض البرامج في إثبات نظريات رياضية وحل مسائل منطقية وأداء مهام محددة، لكن التحدي الأكبر ظهر عندما حاول الباحثون نقل هذه النجاحات إلى العالم الحقيقي، إذ اتضح أن الواقع أكثر تعقيداً من أن يُختصر في قواعد ثابتة يكتبها الإنسان مسبقاً.

  • الاعتماد على القواعد: كان الحاسوب يتبع تعليمات مكتوبة سلفاً بدل أن يستنتج الأنماط من تلقاء نفسه.
  • محدودية البيانات: لم تكن هناك كميات كافية من المعلومات الرقمية كما هو الحال لاحقاً.
  • ضعف القدرة الحاسوبية: كانت الأجهزة أبطأ وأقل قدرة على معالجة المشكلات الكبيرة.
  • الفجوة بين التوقع والنتيجة: اتسعت المسافة بين الوعود النظرية وما يمكن تحقيقه عملياً.

متى ظهر شتاء الذكاء الاصطناعي؟

أدى بطء التقدم مقارنة بالآمال الكبيرة إلى تراجع التمويل والاهتمام في أكثر من مرحلة، وهو ما عُرف لاحقاً باسم “شتاء الذكاء الاصطناعي”، ولم يكن ذلك الشتاء فترة واحدة متصلة، بل مر المجال بموجتين رئيسيتين، الأولى بدأت في السبعينيات، والثانية جاءت بين أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات.

ورغم هذا التراجع، لم يتوقف البحث العلمي، ففي الفاصل بين الموجتين برزت النظم الخبيرة في الثمانينيات، ثم عادت الشبكات العصبية إلى الواجهة مع انتشار خوارزميات مثل “الانتشار العكسي”، قبل أن يبدأ التحول التدريجي نحو أنظمة تتعلم من البيانات والأمثلة بدلاً من الاعتماد الكامل على القواعد المكتوبة يدوياً.

1997 و2000-2012: البيانات تغير قواعد اللعبة

في عام 1997، حقق حاسوب “ديب بلو” الذي طورته شركة “آي بي إم” انتصاراً بارزاً على بطل العالم في الشطرنج غاري كاسباروف، وكانت تلك لحظة مهمة أظهرت قدرة الحاسوب على التفوق في مهمة معقدة ومحددة، من دون أن يعني ذلك امتلاكه ذكاءً عاماً.

ومع بداية القرن الحادي والعشرين، تغيرت البيئة التقنية بشكل واضح، إذ ازدادت القدرة الحاسوبية، وتدفقت كميات هائلة من البيانات الرقمية، وتطورت خوارزميات التعلم الآلي والشبكات العصبية، ثم جاء عام 2012 ليشكل نقطة تحول كبيرة مع “أليكس نت” في التعرف إلى الصور، بعدما أثبت قوة الشبكات العصبية العميقة عند تدريبها على بيانات ضخمة وموارد حاسوبية مرتفعة.

  • بيانات أكثر: وفرت الإنترنت والرقمنة قاعدة واسعة للتعلم.
  • قدرة حاسوبية أعلى: أصبحت المعالجة أسرع وأكثر كفاءة.
  • خوارزميات أفضل: تطورت طرق التعلم الآلي والشبكات العصبية.
  • نتائج عملية: ظهرت تطبيقات أكثر وضوحاً في الرؤية والبحث والتصنيف.

2016-2017: من ألفا غو إلى بنية المحوّل

في عام 2016، حقق نظام “ألفا غو” الذي طورته شركة “ديب مايند” فوزاً لافتاً على بطل لعبة “غو” لي سيدول، وهو إنجاز أكد أن التعلم العميق والتعلم المعزز قادران على التعامل مع مسائل معقدة كانت تُعد صعبة للغاية على الحواسيب.

ثم جاء عام 2017 بواحدة من أهم الورقات البحثية في تاريخ النماذج اللغوية، وهي “الانتباه هو كل ما تحتاج إليه”، التي قدمت بنية “المحوّل” القائمة على آلية “الانتباه”، وأصبحت هذه البنية لاحقاً الأساس الذي بنيت عليه كثير من النماذج اللغوية الحديثة.

2020-2026: النماذج اللغوية تدخل الاستخدام الواسع

في عام 2020، طرحت “أوبن إيه آي” نموذج “جي بي تي-3″، الذي أظهر قدرة نموذج لغوي واحد على أداء طيف واسع من المهام بعد تدريبه على كميات ضخمة من النصوص، مع إمكانية الاعتماد أحياناً على عدد محدود من الأمثلة أو التعليمات.

ثم جاءت مرحلة الانتشار الحقيقي في 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2022، عندما أطلقت الشركة نفسها نظام “تشات جي بي تي”، الذي أتاح التفاعل مع الذكاء الاصطناعي عبر الحوار الطبيعي بطريقة بسيطة ومباشرة، فصار المستخدم يكتب سؤاله أو طلبه ويتلقى إجابة يمكن البناء عليها داخل محادثة متواصلة.

ما الذي تغيّر بعد ذلك؟

في آذار/مارس 2023، أعلنت “أوبن إيه آي” نموذج “جي بي تي-4” بقدرات أكثر تقدماً في التعامل مع المهام المعقدة، وإمكان استقبال الصور ضمن معاينة بحثية، ثم اتجه التطور بعد ذلك إلى نماذج تتعامل مع النصوص والصور والصوت والبرمجة، وتستخدم الأدوات، وتنفذ سلسلة من المهام بدل الاكتفاء بإجابة واحدة.

واليوم، يظل السؤال الأهم مطروحاً حول الذكاء الاصطناعي العام، فمع كل هذه القفزات لا يوجد إجماع علمي على أن الأنظمة الحالية وصلت إليه، كما لا يوجد تعريف واحد متفق عليه لهذا المفهوم، وما زال النقاش يدور حول حدود قدرات الآلات وما الذي يبقى مميزاً في الذكاء البشري، وهو ما تتابعه “الدقهلية نيوز” ضمن تغطيتها للتطورات التقنية المتسارعة.

تاريخ آخر تحديث للخبر
تابع الآن أهم الأخبار عبر Google News
متابعة
غرام نصر الله

غرام نصر الله محرر الخبر

كاتبة صحفية على موقع الدقهلية نيوز dakahliya.com الإخباري، حاصلة على بكالوريوس اعلام جامعة القاهرة، أكتب منذ ما يقرب من 14 عاماً، أتحرى الدقة قبل نشر الخبر، أكتب عن الخدمات الخليجية، وأخبار التقنية وترددات القنوات التليفزيونية.