حاجز بلازمي، يطرح علماء الفضاء فكرة غير مألوفة لحماية الأرض من أخطر العواصف الشمسية، عبر شبكة أقمار صناعية تطلق مواد تتحول سريعاً إلى طبقة مؤقتة تحد من تأثير الجسيمات المشحونة، وهي خطة تبدو أقرب إلى الخيال العلمي، لكنها تستند إلى حسابات وأبحاث علمية جادة.
فكرة StormWall وكيف تعمل
يقترح ثلاثة باحثين متخصصين في فيزياء الفضاء مشروعاً يحمل اسم “ستورم وول” StormWall، ويعتمد على نشر ستة أقمار صناعية بحجم حافلات مدرسية في المدار الجغرافي الثابت على ارتفاع يقارب 36 ألف كيلومتر، وعند اقتراب عاصفة شمسية كبيرة، تطلق هذه الأقمار كميات ضخمة من مواد معينة لتكوين حاجز بلازمي مؤقت.
وتشمل المواد المقترحة الباريوم أو الليثيوم أو الصوديوم، وهي عناصر تتحول خلال دقائق بفعل أشعة الشمس إلى غاز متأين، ثم يعمل هذا الغاز على إبطاء الطاقة القادمة مع العاصفة، وتوجيه جزء منها بعيداً عن المجال المغناطيسي للأرض، بما يخفف الأثر لمدد قد تصل إلى ست ساعات.
وسادة هوائية للأرض
يشبه الباحث دانيال ويلينغ، الأستاذ بجامعة ميشيغان وأحد واضعي المشروع، هذا النظام بوسادة هوائية في السيارات، لأن تشغيله لن يكون في الظروف العادية، بل فقط عند حدوث تهديد شديد يتجاوز الوسائل التقليدية للحماية، كما أن الفكرة تقوم على التدخل السريع قبل وصول العاصفة إلى الأرض.
وتكمن أهمية هذا التصور في أنه لا يسعى إلى منع الشمس من إطلاق طاقتها، بل إلى تقليل ما يصل إلى الكوكب من تأثيرات مباشرة، وهو ما يجعل المشروع، من وجهة نظر أصحابه، أداة طوارئ إضافية ضمن منظومة أوسع لمواجهة المخاطر الفضائية.
لماذا يزداد القلق من العواصف الشمسية؟
يرى العلماء أن الخطر أصبح أكبر في العصر الحديث، لأن العالم يعتمد بدرجة واسعة على الأقمار الاصطناعية، وشبكات الكهرباء، وأنظمة الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية، ومراكز البيانات الضخمة الخاصة بالذكاء الاصطناعي، وأي اضطراب واسع في هذه المنظومات قد يسبب خسائر شديدة.
وقال براين والش، أستاذ الهندسة بجامعة بوسطن وأحد مطوري المشروع، إن عاصفة شمسية بحجم الظاهرة التي تتكرر كل مئة عام قد تتسبب في انقطاع الكهرباء عن قارات بأكملها، كما قد تلحق أضراراً بالأقمار الاصطناعية ومراكز البيانات وأنظمة الدفاع الصاروخي، في وقت ترتفع فيه تكلفة الاعتماد اليومي على البنية الرقمية والفضائية.
سوابق تاريخية تؤكد خطورة الظاهرة
تتعرض الأرض بصورة مستمرة لرياح شمسية تنحرف معظم جسيماتها بفضل المجال المغناطيسي للكوكب، غير أن العواصف الكبرى تستطيع أحياناً اختراق هذا الحاجز جزئياً، فتحدث اضطرابات واسعة في الاتصالات والطاقة والملاحة.
وفي عام 1989 تسببت عاصفة شمسية في انقطاع الكهرباء عن مقاطعة كيبيك الكندية لمدة تسع ساعات، بينما مرت عاصفة فائقة القوة في عام 2012 بالقرب من الأرض من دون أن تصيبها مباشرة، وفي عام 2024 أدت عاصفة شمسية قوية إلى تعطيل خدمات تحديد المواقع GPS في مناطق زراعية بالولايات المتحدة، وتسببت في خسائر قدرت بنحو مليار دولار، كما دفعت نيوزيلندا إلى تفعيل خططها الاحترازية لحماية شبكة الكهرباء.
ما التحديات التي تواجه المشروع؟
رغم أن الحسابات النظرية تبدو مشجعة، فإن تنفيذ StormWall يواجه عقبات واضحة، أبرزها الحاجة إلى نقل نحو 380 ألف كيلوغرام من المواد المؤينة إلى المدار الجغرافي الثابت، وهي كتلة كبيرة تتطلب قدرات إطلاق فضائي ما زالت محدودة في الوقت الحالي.
ويعتقد الباحثون أن صواريخ الجيل الجديد، مثل ستارشيب التابعة لشركة “سبيس إكس”، أو الصاروخ الصيني لونغ مارش 9، قد تجعل المشروع أكثر واقعية خلال العقد المقبل، لكن ذلك لا يلغي الحاجة إلى سنوات إضافية من البحث والتجارب قبل أي تطبيق فعلي.
كيف يمكن أن يصبح المشروع قابلاً للتنفيذ؟
يمكن تلخيص الطريق نحو تطبيق الفكرة في مجموعة خطوات مترابطة، تبدأ بالرصد المبكر وتنتهي بقرار التشغيل في الوقت المناسب، وهي عملية تعتمد على التنسيق بين العلماء ومراكز المراقبة الفضائية، وعلى جاهزية الإطلاق والنشر في المدار.
1. تطوير منظومة عالمية متقدمة لرصد العواصف الشمسية مبكراً، حتى تتوافر مهلة كافية لاتخاذ القرار المناسب.
2. توفير وسائل إطلاق فضائي قادرة على حمل الكتلة المطلوبة إلى المدار الجغرافي الثابت، وهي مهمة ما تزال صعبة حالياً.
3. إجراء تجارب علمية إضافية للتأكد من فاعلية تكوين الحاجز البلازمي وسرعة استجابته.
4. وضع آلية دقيقة لتشغيل النظام فقط عند الحالات القصوى، حتى لا يُستخدم إلا عند الضرورة.
ويؤكد مطورو المشروع أن الاستثمار في مثل هذا النظام قد يكون أقل بكثير من الخسائر المحتملة إذا ضربت الأرض عاصفة شمسية استثنائية، خصوصاً مع ازدياد الاعتماد على البنية الرقمية والفضائية في تفاصيل الحياة اليومية، وهو ما يجعل الأفكار الوقائية مثل StormWall محط اهتمام متزايد في التقارير العلمية التي يتابعها القراء عبر الدقهلية نيوز.
