المنتخب السعودي، يظل واحداً من أكثر الملفات الرياضية حضوراً في النقاش العام داخل المملكة، خصوصاً بعد سنوات طويلة من التبدلات الفنية والإدارية التي لم تمنح الأخضر الاستقرار المطلوب، وبين الطموح الجماهيري الكبير وواقع النتائج المتقلبة، تتجدد الدعوات إلى مراجعة شاملة تعيد ترتيب الأولويات من جديد.
المنتخب السعودي بين الذاكرة الثقيلة والحاجة إلى مشروع ثابت
منذ الخسارة التاريخية أمام ألمانيا في مونديال 2002، بقيت الكرة السعودية تدور في مساحة واسعة من الترقب والانتظار، فقد تعاقب المدربون، وتغيرت الإدارات، وصرفت مبالغ كبيرة على تطوير اللعبة، لكن المنتخب الأول لم يصل بعد إلى حالة الاستقرار الفني التي توازي حجم الآمال المعلّقة عليه، لذلك لم تعد المشكلة مرتبطة بنتيجة عابرة أو خروج من بطولة، بل أصبحت مرتبطة بغياب مشروع واضح لا يتبدل بتبدل الأشخاص.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى قراءة أعمق لمسار المنتخب، لأن معالجة الأعراض وحدها لم تعد كافية، والمرحلة الحالية تتطلب عملاً يبدأ من الجذور، لا من نهاية المباريات، فالفريق الوطني لا يبنى بردود الفعل السريعة، بل بتخطيط طويل الأمد يرسخ الهوية ويصنع الثبات الفني.
ما الذي يحتاجه المنتخب السعودي فعلاً؟
الحديث عن تطوير المنتخب السعودي لا يقتصر على تغيير جهاز فني أو إدخال أسماء جديدة، بل يقوم على مجموعة من الأسس التي إذا جرى التعامل معها بجدية، يمكن أن تصنع فارقاً حقيقياً في المستقبل القريب، وفيما يلي أبرز هذه الأسس:
- إعادة الاعتبار للمدرب الوطني: فالمدرب السعودي أثبت في أكثر من مناسبة قدرته على النجاح عندما تتوفر له الثقة والاستقرار والدعم الحقيقي.
- إنهاء سياسة التغيير المستمر: فالتنقل السريع بين المدربين والإدارات أفقد المنتخب هويته الفنية وجعله بلا ملامح ثابتة.
- الاستثمار في الفئات السنية: لأن المنتخب الأول ليس مكاناً لصناعة المواهب، بل هو ثمرة عمل طويل يبدأ من الناشئين والشباب.
- اعتماد منهجية علمية: فبناء اللاعب السعودي يجب أن يكون مشروعاً متدرجاً ومستقراً، لا جهداً مؤقتاً مرتبطاً بمرحلة بعينها.
- فصل المنتخب عن الضغوط الضيقة: لأن الاختيارات يجب أن تبنى على الجاهزية الفنية والالتزام والانضباط فقط.
لماذا أصبحت مسألة الاختيار حساسة؟
تزداد حساسية ملف الاختيار في المنتخب السعودي كلما ارتفعت التوقعات، لأن أي تدخل من التعصب للأندية أو الضغوط الإعلامية أو الجماهيرية ينعكس مباشرة على شكل الفريق داخل الملعب، ومن هنا تأتي أهمية أن يكون الانضمام للمنتخب مرتبطاً بالكفاءة والاستعداد فقط، فالمنتخب ليس امتداداً لأي نادٍ، بل هو فريق يمثل الوطن كله، وشعاره يجب أن يبقى فوق كل الانتماءات الفرعية.
كما أن الإدارة الناجحة لهذا الملف تحتاج إلى تنوع في الخبرات، مع الابتعاد الكامل عن الحسابات المرتبطة بالألوان الرياضية، لأن العمل للمنتخب يتطلب إخلاصاً خالصاً لراية التوحيد، وخدمة بلاد الحرمين الشريفين، وتقديم صورة مشرفة عن الشعب السعودي وقيادته في كل استحقاق.
من يستحق الإشادة وسط الإخفاقات?
رغم أن النتائج الجماعية لم تكن دائماً عند مستوى الطموح، فإن الإنصاف يفرض التوقف عند بعض الأسماء التي قدمت عطاءً واضحاً داخل المنتخب، وفي مقدمتها الحارس محمد العويس، الذي كان في محطات عديدة من أبرز عناصر الأخضر، وقدم مستويات كبيرة وتصديات مؤثرة حفظت ماء وجه المنتخب في مباريات صعبة، فالمجتهد الذي يقاتل داخل الملعب يستحق التقدير حتى إن لم تكتمل الصورة الجماعية كما كان مأمولاً.
ملامح الدعم الفني المطلوب
تقوم فكرة الدعم الفني الحقيقي على عدد من النقاط التي لا يجوز تجاوزها إذا كان الهدف بناء منتخب أكثر تماسكاً، ويمكن تلخيصها في الآتي:
- الاستقرار: لأن المدرب يحتاج وقتاً كافياً لتطبيق فكرته وبناء الانسجام بين اللاعبين.
- الثقة: فغياب الثقة يضعف أي مشروع فني مهما كانت عناصره جيدة.
- الاستمرارية: إذ لا يمكن الحكم على مشروع وطني من خلال فترة قصيرة أو بطولة واحدة.
- الدعم الحقيقي: وهو ما يمنح الجهاز الفني واللاعبين بيئة مناسبة للعمل بعيداً عن التوتر.
هل يمكن أن تتحول الخيبات إلى بداية مختلفة?
الخيبات التي مر بها المنتخب السعودي خلال السنوات الماضية كانت مؤلمة للجماهير، لكنها لا تمنع بناء مستقبل أفضل إذا جرى التعامل معها بعقلية مراجعة حقيقية، فكل تجربة صعبة يمكن أن تتحول إلى نقطة انطلاق جديدة عندما تتوفر الشجاعة للاعتراف بالأخطاء، والإرادة اللازمة لتصحيح المسار، والجماهير السعودية لا تطلب المستحيل، بل تبحث عن منتخب يملك شخصية واضحة، ويقاتل حتى اللحظة الأخيرة، ويشعر الجميع أنه يمثل كل أبناء الوطن دون استثناء.
وفي النهاية، يبقى المنتخب السعودي واجهة المملكة الرياضية أمام العالم، والوطن أكبر من الأندية، والراية أغلى من الألوان، وبناء منتخب قوي لا يبدأ بعد صافرة النهاية، بل يبدأ بقرار وطني يجعل مصلحة المنتخب فوق كل اعتبار، وهو ما تحتاجه المرحلة المقبلة كما تؤكد القراءات الرياضية المتداولة عبر الدقهلية نيوز.
